سيادة القانون … طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية
15أغسطس

سيادة القانون … طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية

إن الدول التي تفتقر إلى تطبيق سيادة القانون بشكل حقيقي تكون عاجزة في العموم عن تلبية الاحتياجات الأساسية لمواطنيها. وفقًا لنقابة المحامين الأمريكية ( ABA )، فإن أكثر من نصف سكان الأرض يعيشون في بلدان لا مكان فيها لسيادة القانون، مما يعني أن ملايين من البشر لا زالوا يقبعون في عالم تغيب عنه أدنى مقومات العدالة بل أدنى مقومات الفرص الاقتصادية وحتى السلامة الشخصية. لذلك، فإن وجودَ قضاء نزيه ومستقل يكاد يكون من أهم الشروط الملازمة لإنفاذ سيادة القانون، حيث تنص مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استقلال القضاء أنه “يجب على السلطة القضائية أن تفصل في المسائل المعروضة عليها دون تحيز، على أساس الوقائع ووفقا للقانون، ودون أية تقييدات أو تأثيرات غير سليمة أو أية إغراءات أو ضغوط أو تهديدات أو تدخلات، مباشرة كانت أو غير مباشرة، من أي جهة كانت أو لأي سبب.” نعم، هناك حاجة ماسة إلى تطبيق وإنفاذ القانون في كل دول العالم ولكن هذه الحاجة أكثر ما تكون في الدول النامية. إذ أنه ضمن خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030، تعتبر سيادة القانون، جنبا إلى جنب مع الديمقراطية والحكم الرشيد، ضرورية جدا لتحقيق النمو الاقتصادي المطرد والشامل، وضرورية أيضا لتحقيق أهداف التنمية الاجتماعية، وحماية البيئة، والقضاء على الفقر.
إذا أرادت تلك الدول أن تصعد سلم النمو الاقتصادي، فإن عليها تأسيس نظام قانوني قوي يتضمن قوانين شاملة للملكية والعقود والعمل وأحكام خاصة بالإفلاس والقوانين التجارية وقوانين الحقوق الشخصية، على أن ينظم هذه القوانين ويشرف عليها نظام قضائي عادل ونزيه.
إذا تعثر الوصول إلى هذا الشكل من القضاء النزيه، فلا يمكن للمؤسسات الاقتصادية الهامة مثل البنوك والشركات ونقابات العمال أن تعمل بكفاءة ولا بالشكل المنوط بها. علاوة على ذلك، فإن النظم القانونية التي تصدر قرارات قضائية غير عادلة وغير كفؤة سوف تلحق الضرر المالي بالمتقاضين، وتضر بالمساهمين، وتقضي على الوظائف، كما ستعرقل قدرة السوق المحلية على إنتاج السلع والخدمات. أضف إلى أنه في ظل هذا الوضع تكون مشاركة الدولة في الاقتصاد وغيرها من مجالات الحكم غير فعالة وتعسفية وجائرة أيضا. رغم الحماسة المعقولة التي أبدتها كثير من الدول النامية لتعزيز سيادة القانون، إلا أن هذه الدول جعلت الأولوية لتحقيق التنمية الاقتصادية على حساب الإصلاحات القانونية اللازمة، حيث تجاهلتها وقوّضت كثيرا منها. هذا النهج أثبت أنه خاطئ وقصير النظر، لأن هذه الدول آثرت أن تحقق معدلات نمو في مدة قصيرة على حساب تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. وهذا يؤكده أحد مسؤولي البنك الدولي، بقوله: “إن المكاسب الناتجة عن الإصلاحات القضائية الناجحة ستكون أكبر وأنفع (للدولة) من تلك الناتجة عن النمو الاقتصادي (السريع)…” وجود الأنظمة القانونية الفعالة يحفز الاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء لأن المستثمرين من القطاع الخاص يبحثون دوما عن بيئة تجارية خالية من الفساد وأسواق تكون فيها حقوق الملكية والحقوق التعاقدية مكفولة ويمكن التنبؤ بها. فالدول التي تفتقر إلى نظام قانوني فعال، سيتعرض فيها النمو الاقتصادي للخطر، وستنجذب إلى أسواقها استثمارات المضاربات أو استثمارات قد تكون طويلة الأجل لكنها برأس مال منخفض.
إلى جانب النمو الاقتصادي، فإن سيادة القانون أيضًا ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالجوانب الإنمائية الأخرى للدولة، بما في ذلك الصحة العامة وحماية البيئة. كما ذكرت نقابة ABA آنفا، فإن تعزيز مبدأ سيادة القانون يخدم بصورة جيدة في تطوير هذه المجالات، وخاصة عندما تكون أحكام القانون مرتكزة على مقاربات تحترم حقوق الإنسان.
تعمل سيادة القانون أيضًا على حماية حقوق المواطنين في المشاركة وممارسة عقيدتهم والتعبير عن آرائهم بحرية. هذه الحريات المدنية الأساسية لا تثري المجتمع فحسب بل تشكل اللبنات الأساسية لمحاسبة السلطة القائمة. إذ أن غياب هذه الحقوق أو ندرتها هو السبب الرئيس وراء الفساد الذي يضرب الدول النامية، والسبب أيضا في أن النظام القانوني في هذه البلاد مسيّساً إلى حد كبير. ومن المهم بنفس القدر أيضا أن تشجع الدول النامية على ثقافة المساءلة القضائية لأن سيادة القانون لا تعمل بكفاءة دون وجود قضاء مستقل. كما جاء في مبادرة سيادة القانون الصادرة عن ABA، فإن المحاكم في مختلف أنحاء العالم تعاني على الأغلب من فساد لا يتصدى له ولا يجابهه أحد، وهذا أكثر ما يؤدي إلى تراجع ثقة الجمهور، المتآكلة أصلا، في نزاهة وكفاءة النظام القضائي. بفضل التحسينات الهائلة التي طرأت حديثا على عالم التكنولوجيا، فإننا نعيش اليوم في عصر من العولمة لم يسبق له مثيل، فالمعرفة والثقافة باتت تنتشر بسرعة البرق بين الشعوب، حتى أن الأمم أضحت تعتمد ماليا وماديا على بعضها البعض بنحو غير مسبوق. ولكن، رغم كل هذا الترابط والتواصل الذي نعيشه، هناك فرق واضح بين الأمم الي تؤمن شعوبها بمبدأ سيادة القانون وتثق به، وبين الأمم التي لا يعدو هذا المبدأ فيها سوى عنوان على غلاف رواية أو عمل درامي. إذا بقيت هذه الأمم على حالها ولم تشرع بإصلاحات قانونية حقيقية، فإنه لن يكون باستطاعتها أن تكون منافسا مكافئا للأمم الأخرى على الساحة الدولية.

omar ayesh © 2019